كان وما
يزال التاريخ والتراث عموما هو ذاكرة الأمم، ودفن هذه الذاكرة يعني بالضرورة فشل
في صناعة المستقبل، إذ لا مستقبل بدون ماض ولا ماض بدون ذاكرة، وإحياء الذاكرة هو
بالضرورة إخراج التراث وتنقيحه وتحقيقه، إذ هو المعبر عن فكر الأمة وحضارتها
وتحضرها. فكتب الأعلام الذين بصموا في التاريخ والفلسفة والفكر والجدل وباقي
العلوم الإنسانية؛ هي الشاهد الذي لا يَنسى ولا ينبغي أن يُنسى. فكلما طال غبار
التهميش هذه الكتب والمؤلفات كلما ضاعت قيمة هؤلاء الأعلام وبقيت الحضارات مثل
الأساطير. فبإخراجنا وتحقيقنا بل وإظهارنا لكنوز هؤلاء الأعلام لهو خطوة إلى
الأمام بلا شك، وأول مرحلة هو معرفة ما تحتويه هذه الكنوز وما صح منها وما نُسِب
عمدا أو خطأ، تزويرا أو ذهولا، وكلا الاحتمالات مُضر ومشوه لتاريخ وفكر هؤلاء
الأعلام.
وعملنا
هذا مساهمة ضئيلة متواضعة أمام جهود كثير من الباحثين لإخراج ومقارنة كنوز التراث
الإسلامي، وإن كان هذا العمل هو مجرد جمع ولم وترتيب واستفادة من كتب المؤرخين
والدارسين، إلا أننا سنجعله مفتاحا لخدمة تراث علم من أعلام الأندلس وهو الإمام
أبو محمد بن حزم الظاهري الأندلسي رحمه الله ((384 - 456هـ)، (995 - 1063م)).
وهو نار على علم، وللأسف فشهرته جعلته مغمورا
،حتى لا يكاد يُذكر إلا بالفقه الظاهري وشذوذه عن الفقهاء، مع أنه مفكر فيلسوف
وفلكي وهو من كبار علماء الكلام والجدل، قلما ترك فنا من فنون المعرفة ولم يتكلم
فيه، ومحاولتنا لعمل بيبليوغرافية له ستُوضح حجم التركة ونوعية الفنون في المكتبة
الحزمية، وإظهارنا زيف بعض ما نُسب إليه لهو عمل يجري في نفس المجرى، وقسمي هذا
العمل أقصد القسم الأول في جرد الأعمال الثابتة والقسم الثاني في بيان بعض
المؤلفات المنسوبة في مبحثين؛ الأول في ما صحت نسبته والثاني في ما لم تصح.
إن عملنا
في هذا البحث إثبات مؤلفات ابن حزم الظاهري التي صحت نسبتها إليه بجردها وكشف عدم
صحة بعضها إليه، لمعرفة تركة هذا الفيلسوف المتكلم وضخامة مكتبته والفنون التي كتب
فيها وترك بصمته فيها لمعرفة الجدل السائد في أيامه، ولا نُخفي صعوبة الأمر لشُح
القرائن أحيانا وتعارضها وتضاربها أحيانا أخرى بين مشكك لمؤلَّف لابن حزم ومثبت
له، مستعرضين بعض ما كُتب عن الموضوع أو أهمه من الدراسات، محاولين إثبات المؤلفات
التي نركن ونطمئن في نسبتها لابن حزم في عمل بيبليوغرافي واستعراض بعض ما شُكك فيه
مع الترجيح في ذلك، معتمدين في كل هذا على الوصف والمقارنة بين الآراء وتحليل بعض
القرائن في ذلك، متناولين الموضوع في قسمين رئيسين؛ قسم لجرد أعمال ابن حزم
الثابتة وقسم لبعض الكتب المنسوبة إليه.
وسيكون
الاشتغال في هذا البحث عن ثَبت مؤلفات أبي محمد علي بن حزم،
وذلك بجرد أعماله التي اتفق المؤرخون ومعهم الدارسون على نسبتها له، بالإضافة إلى
ما أثبته البعض اعتمادا على بعض المترجمين لابن حزم، وكذلك الحديث على بعض
المؤلفات التي نُسبت لابن حزم (وسيتم تناول المؤلفات التي نُسبت له خطأ، سواء وقع ذلك عن طريق التحريف والتصحيف أو
من اختلاط أسماء المؤلفين)، وتم التشكيك فيها مع ترجيح القول في ذلك، معتمدين في
كل هذا على بعض الدارسين الذين أولوا اهتمامهم لهذا المفكر المثير للجدل
.
وتكمن
أهمية هذا البحث؛ أولا في معرفة التركة العلمية لهذا العَلَم، وضخامة مكتبته التي
خلفها والفنون المختلفة التي كتب فيها، مما يعين على معرفة الثقافة السائدة في
عصره، وثانيا في التعرف على نوعية الجدل السائد والدائر بين ابن حزم ومخالفيه،
سواء من المسلمين أو غيرهم من الديانات الأخرى، ويعين كذلك في التوصل إلى سبق ابن
حزم إلى التدوين والتأليف في بعض الفنون والعلوم التي كانت طرية في الأندلس عامة
وفي قرطبة خاصة، وأيضا تكمن أهمية عملنا هذا في حفظ خزانة ابن حزم من الانتحال
وتزوير نسبة ما ليس له إليه، حتى لا يُكوّن الباحثُ فكرةً مغلوطة عنه .
والسؤال
المطروح هو؛ هل الكتب المنسوبة إلى أبي محمد علي بن حزم كلها من تأليفه؟ وهل كل ما
وصلنا صحيح النسبة إليه؟ وما هي الكتب التي تيقّنا على أنها ليست لابن حزم البتة؟
وما هي الأخرى التي وقف حيالها بعض الدارسين موقف المشكك، ولا يقطعون فيها بشيء؟
وهل التشكيك في نسبة أحد هذه الكتب إلى ابن حزم يعطينا الحق في إبداء ملاحظاتٍ قد
تكون قرينةً في الترجيح إما بالسلب أو بالإيجاب؟ .